أحمد زكي صفوت
50
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة
فيهم والمتابعة في الحق « 1 » لهم ، والعدل في القسمة بينهم ، والتقويم لاودهم ، والأخذ لهم بحقوق اللّه عز وجل عليهم ، وكانت الرعية مؤدّية إلى الإمام حقّه في المودة والمناصحة والمخالطة ، وترك المنازعة في أمره ، والصبر عند مكروه طاعته ، والمعونة له على أنفسهم ، والشّدة على من أخلّ بحقه وخالف أمره ، غير مؤثرين في ذلك آباءهم ولا أبناءههم ، ولا لابسين « 2 » عليه أحدا ، فإذا اجتمع ذلك في الإمام والرعية ، تمّ صلاح الزمان ، وبنعمة اللّه تتمّ الصالحات . ثم إن الزمان الذي بليه : أن يصلح الإمام نفسه ويفسد الناس ، ولا قوة بالإمام مع خذلان الرّعية ومخالفتهم وزهدهم في صلاح أنفسهم ، على أن يبلغ اذت نفسه في صلاحهم ، وذلك أعظم ما تكون نعمة اللّه على الوالي ، وحجّة اللّه على الرعية بواليهم ، فبالحري أن يؤخذوا بأعمالهم ، وما أخلقهم أن تصيهم فتنة أو عذاب أليم ! والزمان الثالث صلاح الناس وفساد الوالي ، وهذا دون الذي قبله ، فإن لولاة الناس يدا في الخير والشر ، ومكانا ليس لأحد ، وقد عرفنا فيما يعتبر به أنّ ألف رجل كلّهم مفسد وأميرهم مصلح ، أقلّ فسادا من ألف رجل كلّهم مصلح وأميرهم مفسد ، والوالي إلى أن يصلح اللّه به الرعية أقرب من الرعية إلى أن يصلح اللّه بهم الوالي ، وذلك لأنهم لا يستطيعون معاتبته وتقويمه ، مع استطالته بالسلطان ، والحميّة التي تعلوه . وشر الزمان : ما اجتمع فيه فساد الوالي والرعية ، وتلك كارثة « 3 » لم يتقادم عهد كونها ، ولم تعف عنكم آثارها ، وكلّ هذه الطّباق من الشدة والرخاء فيما ببتلى اللّه عز وجل به عباده ، بجزاء معدّ ، وكلمة سابقة ، قال اللّه عز وجل : « وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ » فقولي في هذا الزمان : إنه إلّا يكن خير
--> ( 1 ) في الأصل « في الخلق » وهو تحريف . ( 2 ) يقال : لبست القوم : أي تمليت بهم دهرا ، قال الجعدي : لبست أناسا فأفنيتهم * وأفنيت بعد أناس أناسا ( 3 ) في الأصل « كارهة » وهو تحريف ، وقد أصلحت في هامشه « كازمة » أي كاسرة مجتاحة من كرمه بمقدم فمه كضرب : أي كسره واستخرج ما فيه ليأكله .